عثمان بن جني ( ابن جني )
261
سر صناعة الإعراب
فالجواب : أن العرب قد أجرت هاء التأنيث مجرى لام الفعل في أماكن : منها : أنهم حقروا ما كان من المؤنث على أربعة أحرف ، نحو : « عقرب » و « عناق » و « سعاد » و « زينب » بلا هاء ، وذلك قولهم : « عقيرب » و « عنيّق » و « سعيّد » و « زيينب » . وإنما فعلوا ذلك ، ولم يلحقوها الهاء كما ألحقوا الثلاثي ، نحو « قدر وقديرة » و « شمس وشميسة » و « هند وهنيدة » من أن قبل أنهم شبهوا باء « عقرب » وقاف « عناق » ودال « سعاد » وباء « زينب » وإن كنّ لامات أصولا بهاء التأنيث في نحو « طلحة » و « حمزة » إذ كانت الباء والقاف والدال متجاوزة للثلاثة التي هي أول الأصول وأعدلها وأخفّها وأعمّها تصرفا كتجاوز الهاء في « طلحة » و « حمزة » للثلاثة . فكما أنّ هاء التأنيث لا تدخل عليها هاء أخرى كذلك منعوا الباء في « عقرب » ونحوها أن يقولوا « عقيربة » كما امتنعوا أن يقولوا في « حمزة » : « حميزتة » فيدخلوا تأنيثا على تأنيث ، فلولا أنهم قد أحلّوا الباء من « عقرب » وهي أصل محل الهاء الزائدة في نحو « طلحة » و « بيضة » و « تمرة » لما امتنعوا أن يقولوا « عقيربة » . فهذا حد ما ضارعت فيه هاء التأنيث لام الفعل . ومنها : أنهم قد عاقبوا بين هاء التأنيث وبين اللام ، وذلك نحو قولهم « برة وبرا » و « لغة ولغى » و « ظبة وظبي » و « لثة ولثى » أفلا تراهم كيف عاقبوا بينهما ، حتى إنهم إذا فقدوا اللام جاءوا بالهاء ، فقالوا « برة » و « ظبة » وقالوا : « رأيت مئيا » في معنى « مائة » فلما حذفوا اللام جاءوا بالهاء ، ولما جاءوا باللام لم يأتوا بالهاء ، وهذا أيضا مما يقرّب ما بينهما ، ويشهد بتضارعهما . ومنها : أن الهاء وإن كانت أبدا في تقدير الانفصال فإن العرب قد أحلّتها أيضا محل اللام وما هو من الأصل أو جار مجرى الأصل ، وذلك نحو قولهم « ترقوة » « 1 » و « عرقوة » « 2 » و « قمحدوة » « 3 » فلولا أن الهاء في هذه الحال في تقدير الاتصال لوجب أن تقلب الواو ياء لأنها كانت تقدّر طرفا ، فتقلب ياء كما تقلب في نحو « أحق »
--> ( 1 ) الترقوة : عظمة مشرفة بين ثغرة النحر والعاتق ، وهما ترقوتان . اللسان ( 10 / 32 ) مادة / ترق . ( 2 ) العرقوة : واحدة العرقوتين ، وهما خشبتان تعترضان على فوهة الدلو . اللسان ( 10 / 249 ) . ( 3 ) القمحدوة : عظمة بارزة في مؤخر الرأس فوق القفا ، والجمع قماحد . اللسان ( 3 / 343 ) .